التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لك ولي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 في ظل انشغال كلًا بثغره ومحاولة جعل الإخلاص كله لله، واستشعار معنى الأمانة وكيفية السعي بجد وجهد لتطوير الذات أو فائض المعرفة لمن يُحتم عليه الشرع والمنطق أن يتملكها، تحصل أحداث كثيرة وفي غالبها مؤلم، مؤلمة ليس من حيث العمل بعينه ولأشخاصه، إنما في إطار التفرق والتنازع وظهور حب الهوى تارة وحب المنصب أخرى، ولا يخفى في جلها حب الأنا وإثبات وجهة النظر بطرق لا ينبغي لعاقل أن يفعلها فضلًا عن مجاهد وثائر.
يراقب المرء كل هذا في حيرة وتعجب ممزوج بغصة من المراهقات العبثية (وللأسف يصعب إقناع المراهق أنه يراهق، جرب أن تقنعه لو استطعت)، ثم يقع ضحية الصمت ولست أدري أهو صمت إيجابي أم سلبي!، لكن يعود المرء ليقول مستبصرًا بموعود الله، أن المآل خير للمخلصين الطيبين وشر على الظالمين والعابثين، وهي فترة ستنتهي ويزول معها كثير من الأمور التي ينبغي عدم التعليق عليها لا لشيء سوى طلبًا لرضى الله والعمل بكل السبل للاستقرار وفي سبيل شد العضد، فمن يؤمن بالله وقرأ سنن الله فيمن مضى سيفقه ويتأكد كيف أن الأحداث تمضي لقدرها وبلحظة واحدة ما كنا نتخيلها تنقلب الأمور وكأنما دخلنا حُلم غريب لكنه جميل وجميل جدًا، (يومها سيكون لدينا سعة كبيرة باستحضار الأحاديث التي حفرت في ضمائرنا أخاديد).

بينما أقرأ في كتب تحكي تجارب عديدة ومتنوعة تحضيرًا لكتابي التالي إن شاء الله، أستشف وأستشعر في ثنايا أحداث تلك التجارب كثير مما مر معنا ويمر وربما سيمر المزيد، وكلها تجارب تحكي نهاية الظلم وظفر العدل ولو في زوايا ليست على صعيد التحرر والأممية المنتصرة، لكن عدل الله تحقق في أشياء وكأنما جعلها الله سنن في الأرض لا مناص من حتمية وقوعها.

إن ساحتنا الغالية التي أشعلها الأحرار المحليين ثورة وجهاد ضد المستبد ثم ضد قوى الاحتلال، لم تكن يومًا في سبيل استبدال ظلم الديكتاتور بشار بغيره من أجارى الدول الطامعة بثروات وخيرات المسلمين، ولم تكن ثورة وجهاد في سبيل جعلها حرية عبثية ودعوى للتحرر بمفهوم الانحلال والانسلاخ، إنما كانت وما زالت دعوة للعدل والحق والإنصاف وإظهار قوة الردع لكل معتدي غازي والرأفة والرحمة والاستمالة لكل مخلص عامل يشاطرنا الهدف النهائي ويختلف كما بدا له في الجزئيات، فممارسة الحنكة والحكمة اللينة تكون للأقربون أولى، وممارسة الحنكة والحكمة بثوب الشدة تكون للأعداء فهم أولى بها، ولعل هذا المفهوم والمدلول يعززه القرآن وتعززه السيرة النبوية العظيمة وتؤكد عليه سيرة أبطال وأعلام الأمة ممن خاض تجارب ثورية وجهادية كأمثال الخطابي وسياسته مع إخوانه والشعب والعدو، والمختار والصالح وغيرهم الكثير ممن دخلوا سطور التاريخ العطر كأيقونات نفتخر بها.

إننا لسنا نخاف تغول العدو ومزيد حقده ومآل ثورتنا وجهادنا، فنحن نبلغ الجهد والعمل الدؤوب، إنما خوفنا من أن ندمر بيوتنا بأيدينا ونذبح رجالًا لو عملنا بتقوى الله وبالعقل المنير لصنعنا منهم أسودًا قد يغير الله الموازين على أيديهم، لا ندري قد يكون حقًا ذلك.
إني أدعوك لتقوى الله وتذكيري بنفس ما أدعوك له، وتجنب المحيط الذي يغوصك بالتيه والعمى عن حقائق الأمور ليدخلك في دوامة لن تستشعر مدى خطورتها وقبحها إلا إن يسر الله لك الصعود على سلم الصدق لترتقي تلة الإخلاص، حينها ستشاهد هناك في الأسفل، المستنقع والدوامة وخلق كثير يغوصون فيها ظنًا أنها "المجد".
اللهم هيء لساحتنا الخير كله، وشد عضد المصلحين، وثبت الصالحين، واجمع بطانات الخير لمن هو أهلًا لرضاك.
الأسيف عبدُ الرحمن 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معضلة السد والتكيف

قبل الحديث عن مفهوم "معضلة السد" لا بد من المرور على مفهوم "التكيف"، وكما هو معروف فللتكيف أنواع كثيرة؛ أهمها: التكيف النفسي وهو ما يتعلق بسلوك الفرد نتاج قدرته على الإدراك. وبحكمة من الله تعالى فإن الكائنات جميعها تمتلك القدرة على التكيف بمحيطها ومع المتغيرات في سبيل البقاء والاستمرار، إلا في حالات نادرة يصعب فيها التكيف، ومن تلك الكائنات الإنسان الذي وهبه الله  ﷻ  قدرة عجيبة على التكيف الجسدي والنفسي والعقلي.  ومن أهم الأمور التي تكيف معها الإنسان هي المتغيرات عامة ومنها المتغيرات الفكرية خاصة؛ حيث يخضع الإنسان للتكيف مع تلك المتغيرات بشكل تدريجي متأثرا بعوامل كثيرة، أهمها الإحساس فإما أن يكون التكيف إيجابيا من خلال الإحساس بما حوله أو أن يكون التكيف سلبيا وذلك بوقوعه في الاضطراب، كذلك التخطيط فإما أن يكون التكيف إيجابيا من خلال التخطيط الجيد ورسم التوقعات والاحتمالات وطرق التصرف فيها أو أن يكون التكيف سلبيا بسبب قصر العقل أو اللامبالاة، وأيضًا الرغبة والقناعة فإما أن يكون التكيف بشكل إيجابي من خلال الإرادة المتقدة المتجددة أو أن يكون التكيف سلبيا بسبب فتور الهمة ...

حديث المعركة المرتقبة!

يتكرر الحديث كل حين عن معركة ستقوم قريبًا، وبرغم عدم وجود إرهاصات يستنبطها المختصون، وكذلك برغم أن المعارك عادة ما تكون مباغتة ونادرًا ما يحصل لها إرهاصات، فأساس المعركة عنصر المفاجأة وهو ما تعتمده روسيا أو أي جيش عتيق يعرف أهمية عناصر ومبادئ الحرب، برغم كل ذلك تتجدد أحاديث معركة قادمة، وهو ما لا يمكن نفيه بالعموم لكن يحتاج دعامات منطقية. على كلٍ، فإن الحرب بالمجمل لم تنتهي وهذا بحد ذاته يعطي منطق باحتمالية بدء المعركة في أي وقت مناسب للعدو ويرى فيه الفرصة، فقد اعتدنا أخذ موقف المنتظر المدافع وهذا استنزاف لا يطيقه جيش فضلًا عن فصائل ثورية. المهم لفت الانتباه لمسألة مهمة، وهي التجارب والمخططات والنظريات التي تسعى روسيا لتطويرها وتطبيقها في كل فترة هدنة معلنة من جانب واحد، وهي كذلك تنتهي من جانب واحد، وضروي لفت الانتباه لهذه النقطة لأن لها أثر في النفوس ونتيجة تتأصل في القناعات. من تلك الأمور التي تسعى روسيا لتطويرها وتطبيقها وبحسب ما ورد من معهد دراسات الحرب الأمريكية سابقًا، هو كيفية عزل القوات عن بعضها وعزلها جميعًا عن مركز العمليات من خلال قطع الاتصال الكامل، وأضيف هنا: ربما لا يكو...

مروان حديد رجل في زمن القهر والاستبداد

في عام 1965م وقعت أول مواجهة مسلحة (صغيرة) بين شباب من أبناء السُنَّة بقيادة الشيخ المجاهد مروان حديد ونظام البعث النصيري في مسجد السلطان بمدينة حماة. (مروان حديد يُعتبر من أشهر وأوائل الذين أعلنوا الجهاد ضد حزب البعث وكشف نواياه وفهِمه حتى قبل أن يستفحل خطره ويتمكن، وهو الزعيم المؤسس والأب الروحي للطليعة المقاتلة التي أرقت وأوجعت نظام البعث على مدار سنوات، وهو الشخصية التاريخية الحاضرة في عقول كل الأحرار المتتابعين في الشام ورمز من رموز حماة الأبية هذه المدينة التي يعجز القلم أن يكتب عن كل بطولاتها ومدى عزيمة الرجال فيها). كان مروان حديد قد عاد من مِصر عام 1964م بعد أن أكمل دراسته هناك وحصول على البكالوريوس من كلية الهندسة، لكنه في الوقت ذاته كان قبل السفر لمصر يهدف ويتوق للقاء سيد قطب وتلاميذ حسن البنا، أما عن سبب لهفته للقائهم فهو بنفسه يرويه لنا، يقول: "لقد كنت اشتراكيًا بدافع البيئة التي أعيشها بين أشقائي وبدافعٍ من واقع الأمة المرير الذي يبحث عن طريق الخلاص من الاستبداد المُسلّط على الإنسان البسيط، وفي يوم من الأيام دخلتُ البيت وإذ بأخي الكبير أحمد يقول: قتل اليوم أخطر رجل ع...