ما زالت الأرتال التابعة للجيش التركي تتدفق نحو خطوط الاشتباك في إدلب برغم حصار أكثر من نقطة مراقبة لها دون ردة فعل حقيقية .
أعتقد أن كل تلك الأرتال هي محاولة فقط لإقناع روسيا بعدم التقدم وليست تهديد بالمواجهة مطلقًا .
دعونا من الكلمات الخارقة الحارقة المتبادلة بين الطرفان عبر التصريحات الإعلامية وهي متفاوتة، فالواقع كذَّبها كلها على مدار سنوات الثورة .
تركيا ليست مستعدة لدخول حرب مباشرة مع روسيا أو إيران ولا حتى مع المرتزقة التابع لبشار، ولو كانت لديها أدنى نية لفعلت ذلك حينما كانت أوراقها أقوى وموقفها أقوى، إذًا أكرر اعتقادي أن تلك الأرتال محاولة ليست أكثر، وفي الراجح أنها محاولة بائسة ولعل أفضل ما يمكن أن تقوم به تركيا إن أرادت تغيير المعادلة وتحقيق مصالح مشتركة فهو الدعم المباشر والحقيقي وأولها مضاد طيران ولو كان محدود، أو لوجستيات عسكرية مفيدة .
حينما أسقطت تركيا طائرة روسية عام 2015م. مع بداية التدخل الروسي المباشر، كانت لحظة فارقة في تغيير السياسة التركية\روسية وكان ومازال واضح أن روسيا استثمرت الأمر بشكل كبير وحققت الفائدة منفردة، في حين قُتل عدد من الجنود الأتراك في نقاط المراقبة ولم يكن هناك ردة فعل حقيقية سوى تصريحات حول ردود كذبتها كثير من المصادر وبأن الرد التركي لم يقتل أي جندي يتبع لميليشيا النظام المجرم!، واضح فارق التعامل مع الأحداث بين روسيا وتركيا بشكل عام .
يبدو أن تركيا أدركت في وقت متأخر أن الخطر الحقيقي ليس فقط ميليشيا pkk والأحزاب الإنفصالية الأخرى، إنما ثمة خطر آخر قد يكون أكبر، لكن هذا الإدارك جاء بالنسبة لها متأخر بل خسرت من خلال هذا التأخر ليس فقط أوراق سياسية إنما حاضنة لا ينكر أحد أنها كانت قوية في الداخل السوري وحتى شعبية إدارة الحكومة في تركيا تراجعت بشكل كبير .
الدور الأمريكي ليس بجديد، فكان ولا زال دور خبيث يتدخل فقط بما يحتاجه من تحقيق مصالح، وبما يخص إدلب فواضح التصعيد الأمريكي وهو ليس بالجديد أبدًا، لدى أمريكا مخاوف من فناء المنطقة حول المقاتلين الموجودين وتوجههم التالي وبالأخص المهاجرين، أين سيذهبون؟ هل سيعرضون الأمن القومي للخطر في بعض الدول؟ من هو عدوهم الرئيسي كردة فعل أم الأعداء سيكونون بحسب المتاح للعمل عليه؟، ومخاوف أخرى كثيرة منها لا شك عدم رغبتها بجعل روسيا تظهر بمظهر القوي في الشرق الأوسط وكذلك عدم بروز مخالب إيران أكثر، وربما أمور أكثر من ذلك بكثير منها ممكن معرفتها وأخرى طي الكتمان، بالمحصلة لم يكن هذا التصعيد والدعم للموقف التركي بالمجان وحبًا بالإنسانية والثورة، إنما هو تجنب مخاوف حتى أكثر من تحقيق مصالح .
النظام المجرم التابع لبشار لا وجود له في هذه المعادلة إذ لا قرار ولا خيار وواضح أن الروس أنفسهم والإيرانيين يظهروه في إعلامهم على أنه ذنب تبع، مهمته التنفيذ ووجوده بالنسبة لهم فقط غطاء "شرعي دولي" لحقيقة احتلالهم وتواجدهم، ومع تحقيق مبتغاهم -لاقدر الله- قد يقتلوه أو ينفوه أو يسقطوه أو أي شيء ممكن أن يفعلوه للتخلص منه كواجهة "لسوريا" فوجوده لن يُتم للمحتل مأربه على الصعيد الدولي، كما أن العلاقة الروسية الإيرانية ما هي إلا زواج متعة لكن لن تنتهي بسلام إذ سيختلف الطرفان على الأجر المدفوع لقاء تلك المتعة، ولعل بوادر الخلاف تظهر بين الحين والآخر بين مؤسسات "الدولة" المحتلة لصالح كل طرف منهما .
إسرائيل وبرغم الضربات المتتالية لمواقع إيران والنظام المجرم إلا أنها مازالت تقف في صفه للحيلولة دون سقوط النظام وتقدم الثورة، فلدى إسرائيل مخاوف لا تخفى على أحد ومن أهمها الخوف من انتصار الثورة التي سيكون لها موقف لن يعجب الصهاينة بما يخص الجولان والقدس والقضية الفلسطينية بشكل عام، والموقف من سوريا بشكل عام له أثر أكبر بكثير من أي دولة أخرى إذ تُعتبر سوريا مربض حقيقي للقوة وبوابة خطيرة تسعى إسرائيل وأمريكا جعلها بوابة آمنة وعدم وقوعها بيد "متمرد" على السياسة الدولية والنظام العالمي الجديد، أما القصف المتكرر فما هو إلا لتقليم الأظافر والترويض الروتيني للميليشيات المتنوعة والقطيع الذي استثمرته إيران تحت شعارات "الموت لأمريكا - الموت لإسرائيل" وقطيع محور "المقاومة والممانعة" .
أما نحن فما هو دورنا وأين نحن من كل هذه المعادلة؟، فالجواب بسيط لن نستفيض فيه .
نحن نعلم حق العلم أن الروس ومن معهم يريدون كامل الأرض السورية ولن يتوقفوا عند أي حد قبل ذلك وأن كل الاتفاقيات السابقة واللاحقة هي مجرد مراحل لا بُد منها سياسيًا أو عسكريًا، ونوقن أن الدور التركي لن يستطيع تغيير المعادلة ما بقي على سياسته المتبعة حتى الآن وسيكون في خطر ومأزق وخسارة كبيرة إن خسرنا المعركة -لا قدر الله-، ولا يعنينا إقناع الدور التركي بالتغيير إنما يعنينا عدم تعرض تركيا كشعب مسلم لأي خطر وهذا من أحد واجباتنا وحق علينا أمام شعب مسلم قدم لشعبنا يد العون وحقق معنى الأمة الواحدة .
وبما يخص المعركة مع المحتلين فهي لم تعد محل اختيار إنما كانت منذ البداية قرارًا لا رجعه فيه أكده الثوار والمجاهدين والحاضنة بأكملها، إذ أنها معركة وجود وطرد محتل ولم يعد هناك ما يسمى "قتال داخلي بين جيش وثورة" فالجيش منذ البداية كان مهترئ نسخر منه حتى ما قبل الثورة ونسميه "جيش أبو شحاطة" وبعد تحول الثورة لمسلحة بوقت قصير إنتها هذا الجيش ولم يعد له وجود حيث حل عنه "الشبيحة" واللجان الشعبية والتنظيمات الخارجية من الميليشيا المتنوعة والتي جاءت أما ارتزاقًا أو لحقد عقدي، وحتى هؤلاء لم يستطيعوا تغيير المعادلة فاضطرت روسيا للتدخل مما غير موازين القوى التي بالأصل لم تكن متكافئة .
إذًا فسلاحنا مازال مستنفر يقارع قوى الاحتلال حتى آخر رمق طوعًا أو كراهية، حتى أولئك المترددون في البداية صاروا أشد قرار بالمواجهة بعدما رأوى تجربة درعا والغوطة وحقيقة أكذوبة "المصالحات" والتي عولت عليها روسيا في الشمال السوري لكنها فشلت تمامًا .
أما حول التكتيك المتبع لدى الفصائل والاستراتيجية العامة التي نقرأها وغيرها من الأمور المتعلقة بهم فليس هنا محل ذكرها ولعلها تحتاج مقال خاص بها بوقت مناسب .
نؤمن أن النصر قريب يستحقه فقط من يصبر ويثبت ويتمسك بقضيته بقوة، ونثق أن الثوار والمجاهدين قادرين على رد الاحتلال وكسر شوكته بإذن الله، ونأمل من الله أن يهيء الأسباب لهذا فهي المفتاح الذي ينقصنا .
الأسيف عبدُ الرحمن
تعليقات