ربما الوضع الراهن يوحي بتجاذبات فكرية وعملية استقطاب منهجي مقتصر على أشخاص لا كيانات.، للآن الكيانات لم تضع أبجدياتها الراسخة ولعل السبب عدم وضوح الرؤوية المستقبلية التي تساهم في اتخاذ قرار مرفوض النقاش فيه .
معترك الأحداث وتسارع النوازل يدفع المناهج الفكرية للتبلور أكثر أمام المتابع، العمل بالسياسة الشرعية والسياسة الدنيوية لا شك سيصل إلى طريق لا مناورة فيه، وهذا نتاج طبيعي لحقيقة الصراع حين لم يعد يجدي تجميله أو عدم الكشف عنه بدون مساحيق تجميل ودبلوماسية محنكة/منافقة . حينها تتبين المواقف من المبادئ والشعارات التي حشدت المعجبين بها(ارهاب، تطرف، تحكيم شريعة، اسقاط نظام.. إلخ) هنا نتحدث بشكل عام حول دول أو كيانات .
حين نقفز فوق الواقع الآني إلى الواقع القادم، ربما ستتغير كثير من الآراء والأفكار أو على الأقل ستتغير كثير من العلاقات على الصعيد العام والشخصي، فحينها لا يسع العاقل "وبعد النظر للواقع القادم" أن يتوقف عند صغائر الأمور ويستهلك طاقته فيها أو يجعلها عثرة ستؤثر سلبًا على المضي قُدُمًا .
مرت الساحة بعواصف كثيرة، كانت تجمع الثوار والمجاهدين في بوتقه واحدة وأحيانًا تفرقهم، ولربما الواضح أن وبعد كل العواصف و "الهزائم" -ولا أعرف إن كان هناك من يسميها بغير الهزائم- لم تكن كافية لعملية توحد فكري على الأقل في مواجهة عدو خطره مؤكد، ومازالت القادة مُأطرة ضمن مربع الخطر "المُحتمل" والذي قد يقع وقد لا يقع!، هذه مفارقة عجيبة ومعضلة حقيقية كاد عقلي يطيح مرات ومرات كلما أفكر بين هاتين المفارقتين .
كنت أطمح أن يكون الصراع الفكري بين المدارس صراع لا يتجاوز حدود المنافسة المحمودة، بل لا أصدق أن هذا لا يقره كل عاقل.، لكن ما نراه هو ليس حالة سليمة، إنما هو صراع مدارس تكاد تنسى عدوها من خلفها وأكبر شغلها مناكفة المدارس القريبة منها!.، ولعل السبب والله أعلم هو خطأ التربية النفسية في هذه المدارس .
المرجعيات التربوية لكل مدرسة كما نراها ظاهرًا، الخلاف بينها ضيق والبون ضئيل، ثم ما أن نزلنا لدونها نجد أن الشرخ يتسع ويتجذر!، ولهذا قد اعتقدت أن السبب يعود في التربية إن كانت النفسية أو المنهجية أو العقائدية، ولعل السبب في خطأ التربية يعود لسبب مقنع -من وجهة نظري على الأقل- وهو أن تلك المدارس عاشت حالة من الاضطهاد تختلف فيها النسبة من مدرسة لمدرسة وفي نفس الوقت كان قبل زمن الجهاد والكفاح مقتصر على بضعة أشخاص في ظل أُمة مغيبة تمامًا، فاعتقدت -أي تلك الشخصيات- كلًا منها أن هم الأمة يقع على عاتقها فربت أفرادها على أساس الجهاد والكفاح النخبوي، ونسيت تغذيتهم بالفارق بين النخبوية والشمولية، ومع مرور الوقت لا شك كل فرد في كل جماعة سيعتقد أنه الطائفة المنصورة وأنه ورفاقه الوحيدين الذين قدموا وضحوا، وبذلك فلهم الحق في قيادة الأمة واستكمال مسيرتها بالرؤوية التي تراها مدرسته!، وهذا خلل عظيم دفعنا ثمنه باهظًا ومازلنا .
لم تقتصر الأمور عند هذا الحد، إنما تجاوزت لأمور أخطر، فمثلًا نلاحظ من السهل على بعض المدارس استعداء غيرهم ممن يكافح معهم، لكن يجدون صعوبة كبيرة في كسب النخب خارج دائرة فكرهم .، كذلك نرى العجز في بعض المدارس على تفهم مبدأ النقد أو حتى الحوار ولو كان الجميع يزعم عكس ذلك، إلا أن الواقع بكل تأكيد فرض حقيقة الأمر، وأوضح حالة العزف بالنغمة الواحدة والرسم باللون الواحد!!.، لسنا نتكلم عن شخصيات منفردة استطاعت بوعيها تجاوز هذه المعضلة، إنما نتكلم عن مشاريع بذاتها ومن ضمنها تلك الشخصيات المنفردة .
منهجية التهميش أو التجميد أو حتى سهولة التخلي عن أعمدة المشاريع الواحدة نراه سهل، ولو زعم من زعم أنه لم يكن بهذا، إلا أن الأصل كما ذكرنا سابقًا يحتم عليهم هذا ولو بدون حالة الوعي الطلق، وهذا ليس فقط ضرر بالمشروع الواحد أو بعموم المشاريع، وليس من الممكن أن نسميه غير باسمه الحقيقي مهما تعددت المبررات، فهو عملية إقصاء غير مفهومة أو على الأقل ليس وقتها .
قد يعتقد القارئ أني ألوح لقضية حصلت حديثًا، وهذا ما لا أريد أن يفهمه القارئ، مع تحفظي على الأمر وأن للأمر فيه ما فيه وعليه ما عليه، لكن لا مشكلة إن أراد أحد اتخاذه كمثال يعزز ما خطته يداي، وأزعم أن هذه الكلمات هي الأكثر جرأة في ساحتنا لو فُهمت مجردة ولامس معناها المقصودون بها، مع تأكيدي أني في معرض طرح العلاج في ثنايا الداء ومع تأكيدي أني تحريت الأنصاف ما استطعت إليه سبيلا وأن الغاية هي أن ننهض بقوة ونترك هذه الأطر القديمة ..
نعم، والله يعلم كم الألم والحرقة في قلبي على الجميع ممن يحمل هم الأمة وقضيت الثورة، أكاد أشعر أني سأقول و كالطفل يقفز فرحًا تعالوا ههنا هيا فل نمسك بأيدي بعض ونركض هاربين من القوقعة والسجن الفكري، تعالوا فقد رأيت خارجه ما تمنيت لو أنكم ترونه .
عبثًا أُحاول! والسبب؟ نفس القصة ونفس المعضلة(من أنت؟ نحن نفهم أكثر نعرف أكثر..)،
أحيانًا أُطلق على هذه الحالة "التنطع" يعجبني هذا المصطلح لأرضي به جراحاتي التي تزداد ألم كلما تعمقت في الواقع وازدت خلطة مع الناس بعوامهم وخواصهم ومع الجنود بمختلف مرجعياتهم ..
يا لله حين ينتابني هذا الشعور، والشعور الأكثر إيلامًا هو حين أظن أن أولئك يظنون أنفسهم -الفهم الأوحد- وأن فكر وممارسة غيرهم مجرد سجايا !.
لا أريد الاستفاضة حتى لا أكون ممن يدعو لدعوة ويعمل عكسها، وممن يشخص مرض و يُبتلى به، فقضيتي ورسالتي ومبتغاي أبعد بكثير من هذا، وخلاصة ما مر حتى نفتح محور غيره، يتلخص بالمطالبة بمراجعة الذات وتقييم المرحلة التي انصرمت وتوسيع الأفق وعدم نكران الجميل لأحد مع أول نقطة تعارض، وفهم حقيقة الانفتاح بمعناه الجامع لا معناه المنفرد .
أسأل الله أن يوحد صفوفنا ويألف قلوبنا ويرزقنا الوعي .
الأسيف عبد الرحمن
تعليقات