التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حرب الأشباح سبيل الأمة

حرب الأشباح سبيل الأمة

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله محمد ﷺ صاحب الرحمة وصاحب الملحمة الضحوك القتال.
بدأت الأمة تعيش بعد سقوط الخلافة حياة مأساوية على كافة الأصعدة المعيشية والنفسية، حتى فقدت هيبتها وكرامتها إلى أن وصلت لمرحلة الانكسار النفسي تحت حكم طواغيت العرب والتي تديرهم أصابع طواغيت العجم، قد لا يشعر المرء مدى المأساة والإهانة إلا إن سمعك وقرأ كيف كان المسلم يحيى بدينه وكم يساوي في الميزان العالمي الأخرق المنافق، فتآمر الشرق والغرب حتى أنهوا الخلافة قبل أن تتمدد معيدة أمجادها الأولى.
رُضت الأمة وتمزقت المجتمعات ومُيعت القضايا حتى وصلت حالة التدجين في الأمة إلى تقزيم دور الفرد فيها ليقتصر على الطعام والشراب والسمع والطاعة لعملاء الغرب في بلادنا وجل هم الفرد أن يكون في رضى للطاغوت وموظفيه إلا من رحم ربي.
كل الحريات مباحة إلا حرية التنعم بالإسلام، كل العدل عدل بما يفصله الظالمون على مقاسهم، كل الآراء تُحترم إلا إن كانت من مسلم ملتحي بيده السلاح وفي صدره عقيدة سليمة، كل شيء مباح من السفالة والعهر والكفر والدعوة للنهوض بالأمة فهي جريمة في قانون الطواغيت.
في ظل كل هذا القهر والحرب المستمرة على الدين والشريعة عاش أغلب الناس كالأنعام، إلا قلة أبت الهوان على ضعفها وقلة حيلتها وتآمر البعيد والقريب وحتى من أبناء جلدتها، حاولت النهوض مرات ومرات وعبر تجارب كثيرة هددت عروش الكفر وأتباعه من العملاء في المنطقة، هذه القلة المتجددة منذ قرن لم تمل وتيأس رغم حجم وقوة الأعداء، يبعث الله فيهم من يثبتهم ليزداد الأمل بالله مجدداً وبيقين ثابت بموعود الله.
شعر الرجال بفرق الموازين الدنيوية، سلاح بسيط وذخائر معدودة في مواجهة عدو متفوق يرميهم من الجو والبحر والبر، انعدام المال الذي هو أساس الجهاد والكفاح أمام عدو آخر همه المال الذي يطبعه النظام العالمي في مطابعه دون رصيد ورقيب، عدم توفر التطور التكلنوجي وأجهزة الاختراق أمام عدو طالت أجهزته مدن وشوارع وبعض بيوت الأمة فكان لا بُد لأجيال الرجال ممن استجاب لأمر الله أن يجد البديل في موازنة الصراع وجعله متكافئ بطريقة ما.
حرب العصابات المتجددة خير الحلول لرجال مؤمنين بقضيتهم، عقيدتهم راسخة، عقولهم نيرة، متفوقين بالصبر والجَلَد، يُغذيهم الصدق والتصديق بكلام ربهم ومعلمهم الأول محمد ﷺ في طريقهم الطويل والشاق الشائك.
يحبون الموت في سبيل ربهم كما عدوهم يعشق الحياة متكبراً متجبراً.
عَلِموا المعنى الحقيقي لقوله تعالى:وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ . ||الانفال||٦٠
فهموا أن كونهم أهل حق وجنود لدينهم، لا يعني حرب بسيطة وجلوس وركون للدنيا ثم مدد من السماء يقاتل عنهم، أدركوا أن الصراع والتدافع سيكون أشد وطئه، وأن الدرب مليء بالابتلاءات والمحن، فالجنة سلعتها غالية، لم تستطع لحى النفاق والسوء التي تقتات على بلاط الحكام والسلاطين أن تفتنهم بتحريف وتغيير معاني الجهاد وأحقية رد الظلم.
الله تبارك وتعالى يهيئ الظروف ليقتنصها الرجال، فهمها ضاقت وتعقدت حاشى للرب تبارك وتعالى أن يغلق الأبواب كافة، بل يجعل الفرص المناسبة في كل زمان ومكان، ولعل الثورات العربية مثال لا يدع للعاقل شك بهذا، من كان من قبل يصدق أن تولد ثورة في دولة العسكر والمخابرات، من كان يصدق أن يثور الفقراء في دولة القهر والقمع؟!.
ومع اختلاف الثورات في المنطقة العربية وطابعها، إلا أنها كانت فرصة موحدة لرجال الأمة على اختلاف عروقهم واجناسهم، فالشعوب تهتف في واد وطليعتهم تتجهز لواد آخر، خرجت تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وحاولت العراق، خرجوا ينادوا “بمطالب” ظانين الاستجابة من طواغيت بلدانهم، يطمحون للعيش بكرامة فقط!، وطليعة الأمة ومنذ اللحظات الأولى تعرف أن السلمية خدعة كبرى، وأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وأن مكر الليل والنهار لن يتوقف ليحرف مسار الثورات إلى أن يخمدها او يطفئ بريقها بجرعات مخدرة.
هذه مصر العسكر بقيادة ابن صهيون أين صارت؟
تونس وليبيا أين وصلتا؟
وبقيت شام الرسول ويمن الحكمة برجالهما وشعبهما داخل الصراع لم يستطع الشرق والغرب أن يخمد عزيمتهم رغم كل أنواع الترغيب والترهيب، مارس العالم أشد أنواع الظلم وأكثر حيل المكر لكنهم اليوم عاجزون أمام ثلة قليلة ممن ثبت، تساقط الكثير وانحرف الكثير وفُتن الكثير، إلا قلة قليلة، هذه القلة زادت من عزيمة المؤمنين فهي كذلك موعود ربهم، هذه القلة دائماً نقرأ عنها في سلسلة أحداث التاريخ العظيم، ولطالما سمعنا النصر تنزل عليهم، وهذا مزيد من التثبيت والتصديق لمن أيقن أن المدبر والفاعل هو الله جل جلاله.
قامت الثورة في الشام وشرفها الله أن كانت انطلاقتها من المساجد وهتافها الأول الدائم (الله أكبر) يرافقه هتافات تؤكد هويتنا التي نفتخر بها في ظلال الشريعة وما تتوق له نفوسنا من عودة العهد الأول لدستورنا الذي وضعه الخالق، وما يحمله من قمة العدل للبشرية كافة وما يمنح من حرية منضبطة للخلائق عامة، وهذا ما هز عروش الكفر وأخافهم وأرعد فرائصهم ودفعهم للأرق والمكر ثم كشف القناع للدخول المباشر بعد أن فشل موظفيهم من الطغاة في المنطقة من القضاء على المجاهدين والثوار.
اتخذنا من حرب العصابات سبيل للتوازن مع الأعداء، كانت حرب العصابات بالفطرة فقد جاءت الأحداث على عجل وبشكل مفاجئ، وبعد سنوات بات لزاماً التفكير بعمق لتطوير أسلوب الحرب أمام تكالب الأعداء، ومازال السبيل حرب العصابات لضعف العدة والعتاد وإلى أن يقدر الله شيء آخر.
وكوننا نجحنا على الأقل في الصمود حتى اليوم وبعد مضي ثماني سنوات، فهذا يجعلنا ندرك أهمية هذا الأسلوب من الحرب ونعمل على تطويره وتدريسه للجيل الصاعد ونحث عليه الأجيال القادمة وندفعهم للتعمق فيها والمطالعة لتجاربها وتقديم كل ابداع جديد يخدم الأمة ويؤرق العدو من ساحات المعارك إلى خلف خطوط المواجهة في عقر داره حتى يصبح للأمة أقدام ثقيلة كما كانت، ويأتي الله بنصره أو نموت واقفين شامخين مدافعين عن ديننا وعرضنا وأرضنا وعزتنا وكرامتنا.
إن حرب العصابات فن ووعي مطلق متجدد لا أعتقد له تاريخ حقيقي أو مؤسسين لهذا النوع من الحرب، الأسبان كاذبون حين يقولون أنهم من أسسها والأمريكان كذلك والبريطانيين كلهم كاذبون حين يقولون أنهم من أوجدها وعمل بها، فهذا النوع من فن الحروب هو قديم لا يرتكز على تاريخ حقيقية مؤرخ، وأتوقع إن كان ولابد أن نضع لها تاريخ فالقبائل العربية القديمة أحق أن ننسب لها مبادئ هذه المهارة كونهم كانوا يعتمدون على الغزو المنظم العشوائي لأجل السيطرة والنفوذ والغذاء، لكن نعم الأسبان وغيرهم من أمثال الآرجنتيني “شيفار” و الصيني الشهير “تسي ماو” هم مُنَّظرين لهذه الحرب (حرب العصابات) حيث هم من كتب عنها الكثير ووضع لها شروط ومبادئ واضحة وأهداف وأبجديات تُدرس، رغم أنهم يعترفون أنهم كسبوا بعض الخبرات من خلال التتبع لأخبار قادات عرب مسلمين أمثال “عمر المختار” وعبد الكريم خطابي” وغيرهما رحمهم الله، لكن الفرق كان أن الغربيين كانوا يكتبون أو يوجد من يكتب عنهم، والعرب المسلمين لم ينشغلوا بالكتابات عن تجاربهم (مذكرات يومية) ، وهذا كان خطأ كون تجاربهم هي الأنجح والأوضح وخاضوا الحرب بأنفسهم في الخنادق، لذلك نجد كتابات “غيفارا” و”ماو” قيمة جداً وفيها من الواقعية الشيء الثمين المفيد .
ومع ذلك أقول حرب العصابات هي حرب عشوائية منظمة ممتازة يحتاج من يستخدمها فقط للحنكة والدراية والذكاء ولو لم يراجع شيء من الكتب عنها فالكتابات فقط قد تفيد في المعرفة وتفادي الوقوع بتجربة فاشلة وتنمي التطور لاختصار الوقت، أما غير ذلك فهي حرب لا تعتمد على أسس صارمة أو قواعد ثابتة، إنما متجددة بما يتناسب الزمان والمكان وحقيقة معالم الصراع ضد محتل أو طاغوت. هذا والله أعلم

من كتاب ||حرب الأشباح “الذئاب”||
الأسيف عبدُ الرحمن

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

انقلاب المجرم على المجرم

في عام 1969 ميلادي كان الصراع قد احتدم تمامًا بين آخر عضويين في اللجنة الخماسية (تحدثنا عنها سابقًا)، أي بين صلاح جديد والمجرم حافظ ليكون لحافظ الحظ الأوفر بامتلاك أوراق القوة ومن خلفه أخوه المجرم رفعت الذي طالت أذرعه بدعم حافظ، حتى صار حزب البعث أشبه ما يكون مقتصر على حافظ ومن معه من الموالون له، بل صار حافظ يتخذ القرارات بدون العودة للرئيس صلاح جديد (كان صلاح قد صار رئيسًا للبلاد من خلال الانقلاب). وبخطوات مدروسة وبعد سلسلة طويلة من التآمر وحرب التجاذبات "الداخلية في الحزب" استطاع حافظ أن يسيطر على كامل وسائل الإعلام في البلد، الرسمية والخاصة، المنطوقة والمكتوبة والمشاهدة، كما أنه أغلق كل وسيلة إعلام موالية لصلاح جديد أو تابعة له حتى لم يعد "للرئيس" أي وسيلة إعلامية في بلد من المفترض أنه الحاكم فيها، والغريب أن حافظ لم يقم بالانقلاب على صلاح (فساد) بالرغم من كل تلك الخطوات التي أقدم عليها، فأبقى على صلاح جديد في منصبه الذي بات من الواضح أنه أشبه ما يكون بالرئيس الصوري، وعلى ما يبدو أن حافظ لم يكن يرغب بتكرار نمط الانقلابات الكثيرة التي جرت، فعمد لانقلاب مختلف يحمل...

مروان حديد رجل في زمن القهر والاستبداد

في عام 1965م وقعت أول مواجهة مسلحة (صغيرة) بين شباب من أبناء السُنَّة بقيادة الشيخ المجاهد مروان حديد ونظام البعث النصيري في مسجد السلطان بمدينة حماة. (مروان حديد يُعتبر من أشهر وأوائل الذين أعلنوا الجهاد ضد حزب البعث وكشف نواياه وفهِمه حتى قبل أن يستفحل خطره ويتمكن، وهو الزعيم المؤسس والأب الروحي للطليعة المقاتلة التي أرقت وأوجعت نظام البعث على مدار سنوات، وهو الشخصية التاريخية الحاضرة في عقول كل الأحرار المتتابعين في الشام ورمز من رموز حماة الأبية هذه المدينة التي يعجز القلم أن يكتب عن كل بطولاتها ومدى عزيمة الرجال فيها). كان مروان حديد قد عاد من مِصر عام 1964م بعد أن أكمل دراسته هناك وحصول على البكالوريوس من كلية الهندسة، لكنه في الوقت ذاته كان قبل السفر لمصر يهدف ويتوق للقاء سيد قطب وتلاميذ حسن البنا، أما عن سبب لهفته للقائهم فهو بنفسه يرويه لنا، يقول: "لقد كنت اشتراكيًا بدافع البيئة التي أعيشها بين أشقائي وبدافعٍ من واقع الأمة المرير الذي يبحث عن طريق الخلاص من الاستبداد المُسلّط على الإنسان البسيط، وفي يوم من الأيام دخلتُ البيت وإذ بأخي الكبير أحمد يقول: قتل اليوم أخطر رجل ع...

التكلف بما لا يحتمل

تغريدة في تويتر بدايةً وكما اعتدناه منهجا، فإن اسم الكاتب لا يهم كوننا سنبحث في المضمون لا الشخوص. مضمون الكلام حول: هل يجوز تفسير القرآن بالرأي؟. هل ثمة رابط بين التنظير والآية الكريمة؟. هل أحد من العلماء عبر التاريخ ربط الآية بهذا المفهوم؟. هل الأمر مجرد خطأ أم له تبعات خطيرة؟. بسم الله.. كتب أحدهم يريد أن يثبت فكرة تدور في رأسه، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شغله شيء وكان متوترًا، فإن العبارات أو الفهم يخونه، وهذا أمر قد يتفهمه الناس، لكن أن تطال المسألة لوي نصوص قرآنية وتحميلها ما لا تحتمل، والتكلف فيما لا يسع فيه التكلف، فهنا الأمر بلغ خطورة كبيرة وينذر بتبعات لا يتمناها مسلم لأخوه المسلم. يريد الكاتب أن يقدح بالتنظير أو المنظرين وهذا حق شخصي له يناقش به، لكن على أن يكون الكاتب فاهمًا لمعنى التنظير وتعريفه لغةً واصطلاحا، ثم يكون على أقل تقدير مراجعًا لتفاسير آيات الله، عندها من الممكن أن يتقبل القارئ من الكاتب بعدما يرى منطقية وواقعية وعلمية وانصاف في المسألة. دعونا نرى بدعة الكاتب الجديدة، وهنا نقول بدعة لا مجرد خطأ، وهذه البدعة تستوجب من الكاتب التراجع والاعتذار نصرة لدين الله وغيظ...