سمات حرب العصابات
من سمات حرب العصابات في مراحلها الأولى يجب أن يكون الخطاب متنوع لكسب أكبر عدد من الناس. ، يقول محمد ﷺ في الحديث الطويل الذي رواه ابن اسحاق عن ابن عباس: يا عم، كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم .، فليس كل الناس ممكن حثها على القتال من خلال تذكيرهم بالجنة وما عند الله ، هناك من يقاتل لأجل دنيا ومكسب وغنيمة فيجب كسبهم لتقوية الشوكة من خلال الترغيب أما بملك أو من خلال نفقة ، فالله تبارك وتعالى أنزل في القرآن أن هناك أموال تدفع للمؤلفة فلوبهم حتى تستطيب قلوبهم وتكسبها أو على الأقل تحييدها وعدم استعداءها ، ولذلك يكون الخطاب في هذه المرحلة من أخطر الأمور لحساسيته وهذا يعتمد على نخبة المجاهدين في كيفية صياغة الخطاب .
فحرب العصابات شكل من أشكال القتال بين مجموعات مسلحة وقوات نظامية وقد تقوم بها مجموعات محلية ضدَّ محتل أجنبي، فهي أسلوب عسكري يلجأ إليه الطرف الأضعف للتغلب على خصم قوي عندما يجد أن المواجهة النظامية ليست في مصلحته.
تتميز حرب العصابات بطابعها الفجائي المباغت، لاستنزاف العدو وجره إلى تعبئة دائمة وتكبده خسائر فادحة بجهدٍ قليل، كما تلجأ في بعض الأحيان إلى تخريب المنشآت والبنيات التحتية الحيوية بالنسبة له.، وسنتحدث فيما بعد عن التخريب المنظم.، وتختلف حرب العصابات عن عمليات المرتزقة لأن دافعها عقائدي و سياسي وأيديولوجي، في حين أنَّ عمليات المرتزقة دافعها مادي صرفْ.، وظهر هذا النوع من الحروب لأول مرة مع مطالع القرن الـ19 خلال حرب التحرير الإسبانية ضدَّ احتلال جيوش نابليون بونابارت لـ إسبانيا وتدخلها في شؤون الداخلية بعد أنْ كانت دخلتها بترخيصٍ من الملك شارل الخامس، بذريعة غزوِ البرتغال عقاباً لها على الترخيص للسفن البريطانية بالتزود بالوقود والمؤن من موانئها.
أصبحت حرب العصابات تقليداً شائعاً بين حركات التحرر عبر العالم في القرن العشرين سواء في أفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية، وتزايدت في الستينيات والسبعينيات من ذلك القرن بظهور حركات تبنت هذا الأسلوب.
في المنطقة العربية، شنَّت جبهة التحرير الوطنية الجزائرية حرب عصابات ضروسة ضد الاحتلال الفرنسي وكبدته خسائر فادحة وحملت إلى القضية الجزائرية آفاق العالم، واشتهر من تلك المعارك المشهودة معركة الجزائر العاصمة التي دارت أواخر عام 1957 195 وقاد فيها ياسف سعدي قوات جبهة التحرير على مستوى العاصمة في مواجهة الفرقة العاشرة للمظليين في الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال ماسو والذي تصرف بوحشية ضد الأهالي وضد مقاتلي الجبهة.
في المغرب، نفذ جيش التحرير عملياتٍ نوعية من حرب العصابات ضدَّ الاحتلال الإسباني خصوصا في منطقة الريف تحت قيادة الزعيم عبد الكريم الخطابي مثل معركة أنوالْ، وكذلك في منطقة سيدي إفني حيث أثخنت قبائل تكنة وآيت بعمران الجيشين الفرنسي والإسباني عبر عملياتٍ نوعية خاطفة مُستلهمة من تكتيكات حرب العصابات، وقبل ذلك اشتُهر المجاهد الليبي عمر المختار بتكتيكاته الفريدة التي كبَّدت الجيش الإيطالي خسائر فادحة فصارَ بذلك رمزا من رموز حرب العصابات التحررية عبرَ كمائنه المشهودة وغاراته الفتاكة ضد حاميات الجيش الإيطالي في كل أرجاء ليبيا، إلى أنْ اعتُقل وأُعدم عام 1931.
دفعت حرب العصابات قادة سياسيين وثواراً إلى العالمية لما تمكنوا من تحقيقه من مكاسب عسكرية تَخدم أهدافاً سياسية، مثل اسم الثائر الأرجنتيني أرنستو غيفارا حيث خاض هذا الطبيب الشاب حروباً كثيرة من هذا النوع.
ألهمت حرب العصابات منظري العسكرية النظامية في الفترة المعاصرة، وهو ما أثمرَ في النهاية تشكيل القوات الخاصة التي تُوكل إليها مهام محددة في عمقِ أراضي العدو، وتتحرك في مجموعاتٍ صغيرة لإصابة أهدافٍ محددة في نطاقها الزماني والمكاني ، ومن أوجه الشبه الأخرى كذلك بين حرب العصابات والعمليات الخاصة أنَّ هدفهما ليس تحقيق مكسب ميداني أو عسكري حاسم وإنما تكبيد العدو خسائر، أو التمهيد لعملية عسكرية كبيرة عبرَ تلك العمليات النوعية التي قد يكون هدفها تنفيذ اغتيالات أو تخريب بنيات أو تجهيزات أو قطع خطوط إمداد إلى غير ذلك.
وحول التخريب المنظم والاغتيالات سنتكلم في باب مرحلة التوازن.
من كتاب حرب الأشباح الذئاب
الأسيف عبدُ الرحمن
تعليقات