التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المرأة التي ثبتت رجال

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
صفيّة الشام؛ المرأة التي ثبّتت الرجال!

في إحدى المعارك الطاحنة سابقًا في الشمال حدثت بعض الكرامات التي رأيتها بعيني وشهدتها بنفسي وكانت برفقة الشهيد الحبيب حجي مارع.

كان وقتها الشمال في أول تحريره والنظام قد حشد الحشود الضخمة لاسترجاع ما خسره هناك، فجهز رتلاً قوامه يفوق عشر دبابات عدا عن المدرعات وعشرات الأسلحة الثقيلة ومئات الجند المدعومين بالطيران المروحي.

 

بالمقابل كنا لا نملك الذخائر الكافية لصد أقل من ربع تلك الحشود إلا أننا لم نملك خيار سوى الخروج بوجه العصابات المجرمة لصد تقدمهم، وصراحة كانت النفوس تواقه للشهادة ولم نكن نفكر بموازنة القوى فقط تفكيرنا منصب في أننا مجاهدون وجب علينا الذب عن الأعراض والأموال والأنفس في وجه النصيرية.

وفي ذلك اليوم وصلت أنباء عن نية الجيش اقتحام مدينة "حريتان" وهي تقريبًا بوابة الشمال، فهب الأسود للواجب، وحين وصلنا تفاجأنا بأعداد عناصر الجيش وعتاده المُحضر !!

كان قائد المعركة الشهيد حجي مارع وكان عددنا في الصف الأول لا يتجاوز الثلاثين مجاهد.

عند العصر بدأ اقتحام الجيش ممهدًا بالدبابات، محاولًا تطبيق سياسة الأرض المحروقة، وكان للطيران المروحي الدور أيضًا حينها، لم نستطع إطلاق طلقة واحدة وتحديدًا كنا في موقع قريب للحصار فكان الحل الوحيد الانسحاب والتخلي عن هذه المعركة وترك مدينة "حريتان" بعدما ضمنا إفراغها من السكان كي لا يقوم المجرمين بارتكاب مجاز كما جرت عادتهم عند اقتحام المدن والبلدات.

تقدم الجيش ودخل "حريتان" ورحنا نتراجع أسرع فأسرع وإذ تستوقفنا امرأة في طريق انسحابنا، امرأة منقبة لا تتجاوز من العمر الثلاثين تحمل حجرًا بيدها وتنتعل حذاء رياضي..

كانت تتقدم بعكس انسحابنا، فسألناها: "ماذا تفعلين هنا أُخيه ؟"

فقالت: "تنسحبون؟"

قلنا: "نعم"، فغضبت جدًا!

عاودنا السؤال فأجابت أنها تنوي صد الهجوم ولو بمفردها، حاولنا تبرير انسحابنا وأن المعركة كرٌّ وفرٌّ و رحنا نحاول إقناعها بالتراجع ونحن نعدها بالثأر..

لكن ما زادها كلامنا إلا إصرارًا واندفاعًا مع تسارع وتيرة القصف واقترابه من مكان تواجدنا.. فوقفنا بحيرة!

ما العمل؟ هل نتركها ونكسب أرواحنا جميعاً! أم نمنعها بالقوة؟

أم نبقى مكاننا فيطالنا القصف ونفنى؟!

لم تطل حيرتنا إلى أن قالت محرضة لنا تشحذ الهمم: "كبروا الله أكبر" فكبرنا، وتعالت تكبيراتنا مجلجلة في كل ركن..

ودونما اتفاق أو تخطيط تسابقنا للوصول للجيش الذي كان لا يبعد أكثر من حوالي أربع مائة متر، وراح الجميع فينا يقتحم بحثًا عن الشهادة ويحاول إيجاد ثغرة للعدو.

هنا كانت إحدى الكرامات!

تفجرت الدبابة الأولى بالصف وخلفها الرتل توقف.. لا أعلم كيف تعطلت وبدأ الدخان يخرج منها، هل رماها أحد بقاذف!، أم خلل حصل بقدر الله.

فتحنا النيران بالذخائر القليلة لدينا، وصلنا للدبابة وكانت مليئة بالذخائر، تذخرنا ثم فجّر الأخوة الدبابة الثانية ثم الثالثة ثم أُعطبت الرابعة..

بدأنا نتقدم بسرعة والجيش الخائن الجبان يتراكض أمامنا بالمئات في الأرض الواسعة المفتوحة، ونحن نتصيد العناصر الفارة ببنادقنا، لم تكن المعركة طويلة، أخذت حوالي الثلاث ساعات حتى تقهقر الجيش وأنهار تمامًا، فرَّ من فرّ وأحترقَ من أحترق، وقع بعض الأسرى الجرحى وغنمنا أول سلاح ثقيل من على أحد الدبابات (ميم طه) بالإضافة لأليات رباعية الدفع مع ذخائرها.

أما الأخت التي جعلها الله تعالى سببًا لتراجعنا عن الانسحاب، فلم نعد نراها أو نعلم أين ذهبت مع حلول المساء.

وزيادة في الكرامة والمنة من الله تعالى، لم نفقد من المجاهدين أحد، فقط إصابتين أو ثلاثة.

تمكنت في ذلك اليوم تصوير المعركة كاملة، اختصرتها لكم في خمس دقائق تقريبًا فيها حوارنا مع الأخت ثم الاشتباك وأخيرًا فرحتنا بنصر الله وسط الغنائم الكثيرة.

مقطع الحادثة:
https://t.me/alaseee12/96

.
.
.

إضافـــــــــة:
أنعِم بها سليلة أمهات المؤمنين وربيبة زوجات الفاتحين وحفيدة صحابيات الصادق الأمين!
ولقد كنا نسمع في سابق العصور عن قصصٍ وحكايا كان يجدها بعضنا أساطير ومن زيادة المحدثين، فإذا بنا نعيش أمثالها، وتتكرر أحداثها، وتُعاد فصولها فصلاً فصلاً! ما بين براء آخر يفدي هذا الدين بجسده ويرمي بنفسه بين صفوف الأعداء تبعًا لسيدنا البراء بن مالك رضي الله عنه في موقعة اليمامة، وما بين عكرمة آخر ينغمس بمجموعةٍ صغيرة وسط صفوف العدو وبين خطوطه، وما بين معاذٍ ومعوذ آخرين بين الصفوف الأولى على الرغم من حداثة سنهما، وما بين أبي بصير آخر بصحبه القلائل في بطنِ وادٍ أو رأس جبلٍ يُسعرون الحروب ويشغلون العدو..
وها هي قصةٌ أخرى من قصص صدر الإسلام الأول تتكرر وتُبعث من جديد في أرض الشام!
قصة صفية بنت عبدالمطلب رضي الله عنه التي سارت يوم أحد مع جيش النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتكون مع النساء في مؤخرة الجيش تروي العطشى وتُداوي الجريح.
وعندما حمي الوطيس وأختلت موازين المعركة وانقلبت لصالح مشركي قريش إذ بصفية ترى الرجال ينفضون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاشْتاطت غضبًا ووقفت تدافعهم وتردهم وتصرخ بهم غاضبة:
"ويحكم!! أنهزمتم عن رسول الله؟!" ... وتقدمت الصفوف الأولى لتجاهد وترفع الهمم وتدافع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم آتيةٌ فخشي أن تتقدم أكثر وترى أخاها حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنهم قتيلاً وقد مُثِّل به، فارسل ابنها الزبير وطلب منه أن يردها، وقابلها الزبير وأخبرها بأن ترجع، فغضبت ودفعته، وأخبرتهُ أنها تعلم عن مُصاب حمزة.
وها هو يُعاد ذلك الفصل من جديد، من صفية الشام.. جهلها الناس وعرفها ربُّ الناس، وضع الله بصمودها وشجاعتها وإقدامها الشجاعة بقلوب المجاهدين الذين كانوا يؤمئذ قليل  فثاروا على العدو الكثير وقاموا عليه فنصرهم الله نصرًا موزرًا ورزقهم من حيث لا يحتسبون!

اللهم احفظ أهل الشام برجالها ونسائها، بفتيانها وفتياتها، بصغارها وكبارها
اللهم أجعل النار عليهم بردًا وسلامًا، اللهم رد عادية الأعداء عنهم
اللهم تقبل شهدائهم وشافي جرحاهم وثبت أقدامهم في الساحات فلا يرون إلا نصرك ونور وجهك.

.
.
.

حساب الأخ الراوي أبو أُسيد الأسيف -حفظه الله وثبته-
@alasef_alasef1

المُجمّع -عفا الله عنه- :
[ @ALI_BAJ ]
الأخ (مهتم!)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معضلة السد والتكيف

قبل الحديث عن مفهوم "معضلة السد" لا بد من المرور على مفهوم "التكيف"، وكما هو معروف فللتكيف أنواع كثيرة؛ أهمها: التكيف النفسي وهو ما يتعلق بسلوك الفرد نتاج قدرته على الإدراك. وبحكمة من الله تعالى فإن الكائنات جميعها تمتلك القدرة على التكيف بمحيطها ومع المتغيرات في سبيل البقاء والاستمرار، إلا في حالات نادرة يصعب فيها التكيف، ومن تلك الكائنات الإنسان الذي وهبه الله  ﷻ  قدرة عجيبة على التكيف الجسدي والنفسي والعقلي.  ومن أهم الأمور التي تكيف معها الإنسان هي المتغيرات عامة ومنها المتغيرات الفكرية خاصة؛ حيث يخضع الإنسان للتكيف مع تلك المتغيرات بشكل تدريجي متأثرا بعوامل كثيرة، أهمها الإحساس فإما أن يكون التكيف إيجابيا من خلال الإحساس بما حوله أو أن يكون التكيف سلبيا وذلك بوقوعه في الاضطراب، كذلك التخطيط فإما أن يكون التكيف إيجابيا من خلال التخطيط الجيد ورسم التوقعات والاحتمالات وطرق التصرف فيها أو أن يكون التكيف سلبيا بسبب قصر العقل أو اللامبالاة، وأيضًا الرغبة والقناعة فإما أن يكون التكيف بشكل إيجابي من خلال الإرادة المتقدة المتجددة أو أن يكون التكيف سلبيا بسبب فتور الهمة ...

حديث المعركة المرتقبة!

يتكرر الحديث كل حين عن معركة ستقوم قريبًا، وبرغم عدم وجود إرهاصات يستنبطها المختصون، وكذلك برغم أن المعارك عادة ما تكون مباغتة ونادرًا ما يحصل لها إرهاصات، فأساس المعركة عنصر المفاجأة وهو ما تعتمده روسيا أو أي جيش عتيق يعرف أهمية عناصر ومبادئ الحرب، برغم كل ذلك تتجدد أحاديث معركة قادمة، وهو ما لا يمكن نفيه بالعموم لكن يحتاج دعامات منطقية. على كلٍ، فإن الحرب بالمجمل لم تنتهي وهذا بحد ذاته يعطي منطق باحتمالية بدء المعركة في أي وقت مناسب للعدو ويرى فيه الفرصة، فقد اعتدنا أخذ موقف المنتظر المدافع وهذا استنزاف لا يطيقه جيش فضلًا عن فصائل ثورية. المهم لفت الانتباه لمسألة مهمة، وهي التجارب والمخططات والنظريات التي تسعى روسيا لتطويرها وتطبيقها في كل فترة هدنة معلنة من جانب واحد، وهي كذلك تنتهي من جانب واحد، وضروي لفت الانتباه لهذه النقطة لأن لها أثر في النفوس ونتيجة تتأصل في القناعات. من تلك الأمور التي تسعى روسيا لتطويرها وتطبيقها وبحسب ما ورد من معهد دراسات الحرب الأمريكية سابقًا، هو كيفية عزل القوات عن بعضها وعزلها جميعًا عن مركز العمليات من خلال قطع الاتصال الكامل، وأضيف هنا: ربما لا يكو...

مروان حديد رجل في زمن القهر والاستبداد

في عام 1965م وقعت أول مواجهة مسلحة (صغيرة) بين شباب من أبناء السُنَّة بقيادة الشيخ المجاهد مروان حديد ونظام البعث النصيري في مسجد السلطان بمدينة حماة. (مروان حديد يُعتبر من أشهر وأوائل الذين أعلنوا الجهاد ضد حزب البعث وكشف نواياه وفهِمه حتى قبل أن يستفحل خطره ويتمكن، وهو الزعيم المؤسس والأب الروحي للطليعة المقاتلة التي أرقت وأوجعت نظام البعث على مدار سنوات، وهو الشخصية التاريخية الحاضرة في عقول كل الأحرار المتتابعين في الشام ورمز من رموز حماة الأبية هذه المدينة التي يعجز القلم أن يكتب عن كل بطولاتها ومدى عزيمة الرجال فيها). كان مروان حديد قد عاد من مِصر عام 1964م بعد أن أكمل دراسته هناك وحصول على البكالوريوس من كلية الهندسة، لكنه في الوقت ذاته كان قبل السفر لمصر يهدف ويتوق للقاء سيد قطب وتلاميذ حسن البنا، أما عن سبب لهفته للقائهم فهو بنفسه يرويه لنا، يقول: "لقد كنت اشتراكيًا بدافع البيئة التي أعيشها بين أشقائي وبدافعٍ من واقع الأمة المرير الذي يبحث عن طريق الخلاص من الاستبداد المُسلّط على الإنسان البسيط، وفي يوم من الأيام دخلتُ البيت وإذ بأخي الكبير أحمد يقول: قتل اليوم أخطر رجل ع...