هذه النظرية القديمة الحديثة المتطورة باستمرار بأساليب الخداع ومهارة التضليل ما زالت مسيطرة على شرائح واسعة، بل حتى هي مسيطرة على عقول كبيرة من الكوادر والنخب المجتمعية .
ولفهم هذه النظرية دعونا نضرب أمثلة بسيطة توضح معناها، وسيجد القارئ أثناء القراءة كم هي مستخدمة بكثرة وبلا شعور، قد تمر بذهنه صور كثيرة غير الأمثلة التي سنطرحها لكن كلها تصب من حيث النتيجة بمفهوم نظرية التأطير .
مثال: حينما أريد منك أن تفعل شيئًا معينًا، لكن مسبقًا أعرف أنه مرفوض بالنسبة لك لو طرحته أو قلته لك بشكل مباشر، هنا ألجأ لفن الخداع الذهني وتطبيق نظرية التأطير من خلال إهامك وحصرك بخيارات محددة وجعلك تعيش حالة تفكير مؤطرة لا تمكنك النظر بشكل أوسع أنه ثمة خيارات أخرى!، فمثلًا لو أنك سرقت شيء يخصني بدون أن تترك دليل خلفك لكني متأكد أنك السارق، هنا لا أقول لك هل أنت سرقت كذا؟، بل أوجه لك سؤال يجعلك تشعر أن القضية محسومة ولا حاجة للاستجواب، فأوجه لك سؤال مختلف : ماذا سرقت مع الشيء كذا؟ هل فعلته من تلقاء نفسك أم حرضك أحد؟، بهذه الطريقة سيرتبك بشكل واضح أكثر من لو وجهت له سؤال هل سرقت؟ فيكون جوابه مباشر : لا لم أفعل، وبجوابه هذا يكون أغلق مجال التوسع بالاستجواب الناعم أو كشف علامات الارتباك والتناقض الناتجة عن التوسع في الإنكار أو الصمت هذا إن لم يعترف إن كان ضعيف .
كذلك يُستخدم التأطير في السياسة والعسكرة وغيرها كونه فنًا من فنون الخداع العقلي، فمثلًا حينما حصلت معركة المطار عام ٢٠٠٣م في العراق أثناء الغزو الأمريكي، سوّق الأمريكان كل الجهود على أن معركة المطار مهمة للغاية وتعتبر الفاصلة وهي من تحدد النصر والهزيمة، وكل هذا كذب فمعركة المطار ثانوية ولم يكن الجيش العراقي يعطيها أهمية إلى أن تم خداعه تحت تأثير الصخب الإعلامي وموقف الشعب المنجر وراء الخدعة المترقب لهذه المعركة، والأمريكان مسبقًا كانوا يعلمون أن معركة المطار محسومة بالنسبة لهم وأن لا نية للجيش العراقي بالاستماتة بالقتال في هذه النقطة الغير استراتيجية، وحينما حصلت المعركة وطبعًا انتصر الأمريكان وروجوا على أنهم أبطال الحسم، انهارت معنويات الشعب والجيش العراقي وشعروا بعقلهم الباطني أن العراق سقط أو يسقط وأنها معركة محسومة مسبقًا .
كذلك من صور الخداع والتأطير بالخيارات وحصرها، ما حصل أثناء سقوط طائرة تجسس أمريكية في الصين عام ٢٠٠١م، حينها سارع الرئيس الأمريكي عبر بيان متلفز إلى توجيه رسالة غاية في الذكاء، فوجه خطابًا للصين مختصره : لماذا تأخرتم بإعادة حطام الطائرة؟ هذا أمر غير مقبول، فكان رد الصين أنها ستعيدها لكن بعد أن تفتش حطامها وتبحث في محتويات الطائرة، والأمريكان يعلمون مسبقًا أن الصين ستفتش الحطام لكنهم كانوا متخوفين من عدم إعادة الصين لحطام وبقايا الطائرة فوجهوا لها سؤال عن سبب التأخير ولم يسألوها : هل ستعيدون لنا الحطام؟، أو يخاطبوها : عليكم إعادة حطام الطائرة الخاصة بنا، بل كان خطاب مخادع أطرهم ضمن جواب بعيد عن نيتهم بعدم إعادة الحطام .
ومن الأمثلة المؤلمة ما حصل في الثورة السورية لمرات عديدة بعد إقدام قوات الاحتلال الروسي على محاصرة المناطق، فكانوا يضعون المقاتلين ضمن خيارات لا تصب إلا في صالح العدو، فمثلًا بعد حصار المنطقة كان يروج الروس إلى أن المجموعات المسلحة بين خيارين وهما أما التهجير ونقلهم لمكان محدد أو يسلموا سلاحهم ويصبحوا تحت الوصاية الروسية، وكانت تأتي هذه الخيارات بعد عملية إجرامية بالحديد والنار تسبب الصدمة والترويع مما لا يدع مجال للثوار والمجاهدين التفكير بخيارات أخرى ويقعوا بفخ التأطير ثم التفكير بأحد الخيارات التي يطرحها العدو وإلا فمصيرهم الإبادة!، والحقيقة لو كان العدو يضمن إبادتهم لما عرض أي خيار ولكنه تجنب الاستنزاف والوقت الطويل الذي يعتبر عنصر إيجابي في صالح المجموعات بمنطق حرب العصابات .
والآن في هذه الأثناء تدور معارك عنيفة قرب مدينة معرة النعمان، في هذه الأثناء يروج العدو الروسي لمقترح تسليمها دون قتال أو مصيرها التدمير كليًا محاولًا خداع العقول أنه لا أمل ولا حل آخر للمجاهدين والثوار وقد استخدم مثل هذه الخدعة من قبل حينما سيطر على خان شيخون ومناطق واسعة، ترافق مع العملية سطوة عسكرية لكن المتفكر بالواقع المراقب للأحداث والتصريحات والحالة النفسية العامة يدرك أن القصف والتدمير ليس العامل الرئيسي، ولعل أبرز الأدلة على استخدام العدو الخداع النفسي والذهني قبل الحقد العسكري، هو قدرته على فرض المعركة في المكان والزمان الذي يحددهما وحده، وجعل المجاهدين والثوار يظنون أن أنسب خيار الدفاع في نفس النقطة ولا خيارات أخرى متاحة ضمن العمل القائم، بما معناه يقعون في فخ الارتباك والتشنج ويظنون الدفاع ومحاولة إيقاف تقدم العدو هو الأنسب لكن ومع ذلك فإن العدو دائمًا يحقق مبتغاه ضمن سياسة القضم، كان يجب أن يفكر الثوار لمرة واحدة هذا ما يريده العدو أن يختاروا الدفاع ومنعه من التقدم، وأن عليهم عدم تكريس الجهد في صده وجعل الدفاع ثانوي، والتركيز الأكبر في الانتقال للهجوم من نقاط ومحاور مختلفة فالهجوم أقل كلفة من الدفاع وهو خير وسيلة لكبح تقدم عدو متفوق عسكريًا .
هذه أمثلة بسيطة يتضح فيها أن نظرية التأطير تُطبق وبشكل متكرر ومتطور، وواضح أن العمدة فيها على المهارة العقلية ومعرفة الشخص الآخر ومحاولة فهمه للقدرة على تطبيق أنسب ما يمكن من خطط الخداع والتحايل ضمن النظرية، وأن أنسب حل لمكافحة هذه النظرية وعدم الوقوع بها هو النظر في مقترحات العدو والخصم ليس للتفكير بها بدايةً، بل لمعرفتها ثم التفكير بعيدًا عنها كونها خيارات فهمنا أن العدو اختارها بعناية وكلها تصب في صالحه، ولو كان ظاهرها غير ذلك .
الأسيف عبدُ الرحمن

تعليقات