على رقعة الشطرنج من لديه مزيد من المزايا لديه فرص أكبر للبقاء، لكن حتى بيدق صغير قادر على أن يصبح وزيرًا أو أي شيء (نخبوي) لديه مزيد من الفرص حينما يستمر بالتقدم بحذر وصمود في حين كل الأحجار تتساقط حوله وهو يستثمر طمع الخصم بالفوز مبكرًا تارة وتارة أخرى انشغاله بهدف محدود أمام اللامبالاة لحجر "تافه" لا يشكل خطر .
أول هدف يسعى خصمك لتحقيقه هو شل تفكيرك وتغليب العاطفة عندك على العقل من خلال جعلك تخشى المخاطرة بمزيد من الحركات الجريئة فوق الرقعة التي قد تقلب الطاولة وتفتح الأفق نحو خيارات واسعة وخطط لم تكن في الحسبان .
فاستمر بالتقدم ولو بشكل بطيء واعمل جهدك في إظهار أنك ضعيف لا يمكن أن تشكل خطر، وفي اللحظة الحاسمة أضرب بكل قوة وفوت أي فرصة على خصمك تمنحة لحظة يستجمع فيه شتات عقله المتفاجئ .
فوق رقعة الشطرنج يموت الجنود ليحيى الملك، وفي لعبة الحروب الواقعية يموت الضعفاء ليمنحوا الأقوياء مزيد من القوة، لكن في صراع المستضعفين يموت الرجال الأبطال النخبويين لتحقيق الحياة للمساكين والضعفاء ولذلك يهمل التاريخ كثير من مجرمي الحروب ويكتبهم على الهامش أو يذكرهم للعبرة، لكنه ينقش أسماء وألقاب الرجال في وجدان البشر ويجعلهم إلهام غير منطفئ لجذوة الانتفاضات .
متشابهة الأحجار فوق هذه الرقعة ولا يوجد فيها لون ثالث (أبيض - أسود) لأن الصراع لا يعترف بأنصاف الحلول، الفرص كلها محدودة ومعروفة القدرات على رقعة الشطرنج (الجنود القلعة الفيل الحصان الوزير الملك)، لكن لو أضفنا حجرًا جديدًا متمثلًا بالذئب وحياته في لعبة الأدغال، أو حتى استبدلناه بنصف الجنود، لن نحتاج أكثر من عامل الوقت لنربح كل جولة والحجر "الذئب" ينقض من خلف صفي الخصم ليربكه مع كل حركة ويشله مع كل سكون، فالذئاب حينما تعيش منفردة تصبح أكثر فتكا .
وكذلك على رقعة الواقع يكون حال الخصوم وتدار المعارك، ولذلك في المنطقة التي تخشى دخولها أو جعلها منطقة اشتباك لأي سبب منطقي، حولها لمستنقع كمائن ورمال متحركة تبتلع كل شيء، لا تفكر بالحفاظ عليها ما دمت مقتنع أن فرص الخصم أكبر، كرس الجهد لموقع تعتقد أن الفرص لديك أكبر والعوامل في صالحك، استغل فرصة انشغال رأس حربة عدوك واضرب في الخاصرة أو حول زخم هجومه لتهور يهوي بعده كحال سحب قبضة الملاكم بضعة سنتيمترات بعد حده الأخير نتيجة لكمة قوية ستجعله يفقد التوازن، بالعموم الشك عدو فتاك غالبًا يكون حليف الخصم، والثقة حليف مهم غالبًا يكون سببًا للنصر .
الخسارة المرحلية أو المؤقتة تجلب سخط الجهال وتجعلك في مزاج سيء ينعكس على كل مخططاتك وقراراتك، لكن المحنك لا يكترث ولا يتأثر فلديه أهداف يسعى لتحقيقها ومنها جعل الأغبياء يشعرون بمحدودية عقولهم، أما هدفه الأول وبشكل دائم : تحقيق عنصر المفاجئة والمباغتة .
تذكر أننا أمام الرياح العاتية نضطر للانحناء لنشكل شكل انسيابي يسمح بثباتنا واقفين بأقل جهد، وبين الهبات المتتالية نستثمر لحظات الهدوء لنقف ونتفحص ما حولنا .
في الصراعات الغير متكافئة يعمد المجرمين لتحقيق الصدمة والترويع بالحديد والنار حتى يسهل بعدها كل شيء، وحدهم الأذكياء يفوتون لحظة النشوة الإجرامية على الخصم من خلال تجنبهم المواجهة المعروفة النتائج، فإنشاد النصر بأي شكل كان خير من التغني بالثبات الكارثي، من خُلق ليكون قائدًا يدرك بحسه العالي أنَّ لا هزيمة دائمة ولا نصر مستقر، فكل جولة بعدها أخرى، القائد بالتجني سيغتر بكل شيء (الهزيمة ستقتله والنصر سيخدعه) .
الأسيف عبدُ الرحمن
تعليقات