التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراع البقاء

على رقعة الشطرنج من لديه مزيد من المزايا لديه فرص أكبر للبقاء، لكن حتى بيدق صغير قادر على أن يصبح وزيرًا أو أي شيء (نخبوي) لديه مزيد من الفرص حينما يستمر بالتقدم بحذر وصمود في حين كل الأحجار تتساقط حوله وهو يستثمر طمع الخصم بالفوز مبكرًا تارة وتارة أخرى انشغاله بهدف محدود أمام اللامبالاة لحجر "تافه" لا يشكل خطر .
أول هدف يسعى خصمك لتحقيقه هو شل تفكيرك وتغليب العاطفة عندك على العقل من خلال جعلك تخشى المخاطرة بمزيد من الحركات الجريئة فوق الرقعة التي قد تقلب الطاولة وتفتح الأفق نحو خيارات واسعة وخطط لم تكن في الحسبان .
فاستمر بالتقدم ولو بشكل بطيء واعمل جهدك في إظهار أنك ضعيف لا يمكن أن تشكل خطر، وفي اللحظة الحاسمة أضرب بكل قوة وفوت أي فرصة على خصمك تمنحة لحظة يستجمع فيه شتات عقله المتفاجئ .

فوق رقعة الشطرنج يموت الجنود ليحيى الملك، وفي لعبة الحروب الواقعية يموت الضعفاء ليمنحوا الأقوياء مزيد من القوة، لكن في صراع المستضعفين يموت الرجال الأبطال النخبويين لتحقيق الحياة للمساكين والضعفاء ولذلك يهمل التاريخ كثير من مجرمي الحروب ويكتبهم على الهامش أو يذكرهم للعبرة، لكنه ينقش أسماء وألقاب الرجال في وجدان البشر ويجعلهم إلهام غير منطفئ لجذوة الانتفاضات .

متشابهة الأحجار فوق هذه الرقعة ولا يوجد فيها لون ثالث (أبيض - أسود) لأن الصراع لا يعترف بأنصاف الحلول، الفرص كلها محدودة ومعروفة القدرات على رقعة الشطرنج (الجنود القلعة الفيل الحصان الوزير الملك)، لكن لو أضفنا حجرًا جديدًا متمثلًا بالذئب وحياته في لعبة الأدغال، أو حتى استبدلناه بنصف الجنود، لن نحتاج أكثر من عامل الوقت لنربح كل جولة والحجر "الذئب" ينقض من خلف صفي الخصم ليربكه مع كل حركة ويشله مع كل سكون، فالذئاب حينما تعيش منفردة تصبح أكثر فتكا .

وكذلك على رقعة الواقع يكون حال الخصوم وتدار المعارك، ولذلك في المنطقة التي تخشى دخولها أو جعلها منطقة اشتباك لأي سبب منطقي، حولها لمستنقع كمائن ورمال متحركة تبتلع كل شيء، لا تفكر بالحفاظ عليها ما دمت مقتنع أن فرص الخصم أكبر، كرس الجهد لموقع تعتقد أن الفرص لديك أكبر والعوامل في صالحك، استغل فرصة انشغال رأس حربة عدوك واضرب في الخاصرة أو حول زخم هجومه لتهور يهوي بعده كحال سحب قبضة الملاكم بضعة سنتيمترات بعد حده الأخير نتيجة لكمة قوية ستجعله يفقد التوازن، بالعموم الشك عدو فتاك غالبًا يكون حليف الخصم، والثقة حليف مهم غالبًا يكون سببًا للنصر .
الخسارة المرحلية أو المؤقتة تجلب سخط الجهال وتجعلك في مزاج سيء ينعكس على كل مخططاتك وقراراتك، لكن المحنك لا يكترث ولا يتأثر فلديه أهداف يسعى لتحقيقها ومنها جعل الأغبياء يشعرون بمحدودية عقولهم، أما هدفه الأول وبشكل دائم : تحقيق عنصر المفاجئة والمباغتة .

تذكر أننا أمام الرياح العاتية نضطر للانحناء لنشكل شكل انسيابي يسمح بثباتنا واقفين بأقل جهد، وبين الهبات المتتالية نستثمر لحظات الهدوء لنقف ونتفحص ما حولنا .
في الصراعات الغير متكافئة يعمد المجرمين لتحقيق الصدمة والترويع بالحديد والنار حتى يسهل بعدها كل شيء، وحدهم الأذكياء يفوتون لحظة النشوة الإجرامية على الخصم من خلال تجنبهم المواجهة المعروفة النتائج، فإنشاد النصر بأي شكل كان خير من التغني بالثبات الكارثي، من خُلق ليكون قائدًا يدرك بحسه العالي أنَّ لا هزيمة دائمة ولا نصر مستقر، فكل جولة بعدها أخرى، القائد بالتجني سيغتر بكل شيء (الهزيمة ستقتله والنصر سيخدعه) .
الأسيف عبدُ الرحمن 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

انقلاب المجرم على المجرم

في عام 1969 ميلادي كان الصراع قد احتدم تمامًا بين آخر عضويين في اللجنة الخماسية (تحدثنا عنها سابقًا)، أي بين صلاح جديد والمجرم حافظ ليكون لحافظ الحظ الأوفر بامتلاك أوراق القوة ومن خلفه أخوه المجرم رفعت الذي طالت أذرعه بدعم حافظ، حتى صار حزب البعث أشبه ما يكون مقتصر على حافظ ومن معه من الموالون له، بل صار حافظ يتخذ القرارات بدون العودة للرئيس صلاح جديد (كان صلاح قد صار رئيسًا للبلاد من خلال الانقلاب). وبخطوات مدروسة وبعد سلسلة طويلة من التآمر وحرب التجاذبات "الداخلية في الحزب" استطاع حافظ أن يسيطر على كامل وسائل الإعلام في البلد، الرسمية والخاصة، المنطوقة والمكتوبة والمشاهدة، كما أنه أغلق كل وسيلة إعلام موالية لصلاح جديد أو تابعة له حتى لم يعد "للرئيس" أي وسيلة إعلامية في بلد من المفترض أنه الحاكم فيها، والغريب أن حافظ لم يقم بالانقلاب على صلاح (فساد) بالرغم من كل تلك الخطوات التي أقدم عليها، فأبقى على صلاح جديد في منصبه الذي بات من الواضح أنه أشبه ما يكون بالرئيس الصوري، وعلى ما يبدو أن حافظ لم يكن يرغب بتكرار نمط الانقلابات الكثيرة التي جرت، فعمد لانقلاب مختلف يحمل...

مروان حديد رجل في زمن القهر والاستبداد

في عام 1965م وقعت أول مواجهة مسلحة (صغيرة) بين شباب من أبناء السُنَّة بقيادة الشيخ المجاهد مروان حديد ونظام البعث النصيري في مسجد السلطان بمدينة حماة. (مروان حديد يُعتبر من أشهر وأوائل الذين أعلنوا الجهاد ضد حزب البعث وكشف نواياه وفهِمه حتى قبل أن يستفحل خطره ويتمكن، وهو الزعيم المؤسس والأب الروحي للطليعة المقاتلة التي أرقت وأوجعت نظام البعث على مدار سنوات، وهو الشخصية التاريخية الحاضرة في عقول كل الأحرار المتتابعين في الشام ورمز من رموز حماة الأبية هذه المدينة التي يعجز القلم أن يكتب عن كل بطولاتها ومدى عزيمة الرجال فيها). كان مروان حديد قد عاد من مِصر عام 1964م بعد أن أكمل دراسته هناك وحصول على البكالوريوس من كلية الهندسة، لكنه في الوقت ذاته كان قبل السفر لمصر يهدف ويتوق للقاء سيد قطب وتلاميذ حسن البنا، أما عن سبب لهفته للقائهم فهو بنفسه يرويه لنا، يقول: "لقد كنت اشتراكيًا بدافع البيئة التي أعيشها بين أشقائي وبدافعٍ من واقع الأمة المرير الذي يبحث عن طريق الخلاص من الاستبداد المُسلّط على الإنسان البسيط، وفي يوم من الأيام دخلتُ البيت وإذ بأخي الكبير أحمد يقول: قتل اليوم أخطر رجل ع...

التكلف بما لا يحتمل

تغريدة في تويتر بدايةً وكما اعتدناه منهجا، فإن اسم الكاتب لا يهم كوننا سنبحث في المضمون لا الشخوص. مضمون الكلام حول: هل يجوز تفسير القرآن بالرأي؟. هل ثمة رابط بين التنظير والآية الكريمة؟. هل أحد من العلماء عبر التاريخ ربط الآية بهذا المفهوم؟. هل الأمر مجرد خطأ أم له تبعات خطيرة؟. بسم الله.. كتب أحدهم يريد أن يثبت فكرة تدور في رأسه، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شغله شيء وكان متوترًا، فإن العبارات أو الفهم يخونه، وهذا أمر قد يتفهمه الناس، لكن أن تطال المسألة لوي نصوص قرآنية وتحميلها ما لا تحتمل، والتكلف فيما لا يسع فيه التكلف، فهنا الأمر بلغ خطورة كبيرة وينذر بتبعات لا يتمناها مسلم لأخوه المسلم. يريد الكاتب أن يقدح بالتنظير أو المنظرين وهذا حق شخصي له يناقش به، لكن على أن يكون الكاتب فاهمًا لمعنى التنظير وتعريفه لغةً واصطلاحا، ثم يكون على أقل تقدير مراجعًا لتفاسير آيات الله، عندها من الممكن أن يتقبل القارئ من الكاتب بعدما يرى منطقية وواقعية وعلمية وانصاف في المسألة. دعونا نرى بدعة الكاتب الجديدة، وهنا نقول بدعة لا مجرد خطأ، وهذه البدعة تستوجب من الكاتب التراجع والاعتذار نصرة لدين الله وغيظ...