التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية كسب المصداقية (الكذب المُقَنَّع بالصدق)

نظرية كسب المصداقية (الكذب المُقَنَّع بالصدق)
هذه النظرية تستهدف الحس الداخلي للقناعة، وتعتمد على سياسة "اصدق واستمر بالصدق حتى يتسنى لك الكذب" .

مثال : في الحروب تدخل ضمنًا الحرب الإعلامية والدعائية، فيستغل الطرف الأول بعض الأخبار الضارة للآخر رغم عدم تأثيرها وحتى قد تكون ليست ذات أهمية، لكنه يستمر في الانضباط بالمصداقية والشفافية مهما طال الوقت منتظرًا فرصته الذهبية التي قد لا تتكرر إن فوتها أو فشل في السعي لتحقيقها، وهي أن يجبر الطرف الآخر على الاعتراف أو ما شابه الاعتراف بأمر كان قد ذكره بكل صدق وشفافية، وباعتراف الهدف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لكنها واضحة وكما قلنا ولو كان الأمر ثانوي وتافه، هنا يأتي الدور الجوهري لتطبيق النظرية فيستغل الطرف الأول هذا الاعتراف ليثبت أنه ذو مصداقية وشفافية وخصومته منضبطة بأخلاقيات ومبادئ، وهذا ما سيتقبله أنصار الهدف والمتعاطفين معه كونهم يرون ذلك واقعًا وباعتراف رؤوسهم، ونعيد ونكرر مهما كان الأمر تافهًا لكن الاعتراف له أثر داخلي يعطي مصداقية للخصم أو العدو الذي لن يستمر بتلك المصداقية بعد هذا الاعتراف وسينتقل بعدها لدس السم تدريجيًا حتى يصل لمرحلة الطلاق النهائي مع الصدق، وذلك بعد خلق حالة مضطربة في نفوس خصومه وأعدائه تميل في معظم الأحيان لتصديقه على تصديق رؤوس المستهدفين .
وقد تكون الحيلة وتطبيق النظرية عبارة عن تسريبات بسيطة وحقيقية متتالية تحاول دفع المستهدف للاعتراف بأيًا منها تحت ذريعة الاعتذار أو التوعد بالمحاسبة أو نحو ذلك، وهذا كله يؤدي إلى خطر مستقبلي وخلق فجوة كبيرة سيملؤها العدو بالأكاذيب بعد تخليه عن التسريبات الحقيقية البسيطة، ولذا ففي مثل هذه الحالات أفضل الحلول عدم الاعتراف بأي شكل وكذلك عدم النفي والتكذيب لأنه قد يكون متوقعًا للتكذيب فيظهر أدلة كان يخفيها لا مجال لتكذيبها مما يؤدي لفقدان الثقة بين المرؤوسين والرؤساء، فالتعامل مع مثل هذه الحالات حساس ويحتاج قدرة على تمييز أنسب الطرق وفي الغالب اللامبالاة أفضل شيء أو محاولة التقليل من شأن تلك الهجمات وتعزيز فكرة أنها ثانوية في العقول قد يكون من الطرق الفعالة .
من الخطأ الاعتراف بأي شيء يبثه العدو تحت أي ذريعة وحجة، ومهما كانت أمور تافهة فيلزم سياسة تعامل تكون على بصيرة وفيها توقع لحيل العدو وأهدافه، وحتى فيما يخص الأمور التي لا يمكن إلا الاعتراف فيها فيلزم أن تكون بأسلوب مدروس وعبارات منتقاة بعناية وممكن خلطها بخطاب دعائي مضاد كمحاولة لتشتيت العدو ومخططه إن كان ثمة مخطط .
الأسيف عبدُ الرحمن 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معضلة السد والتكيف

قبل الحديث عن مفهوم "معضلة السد" لا بد من المرور على مفهوم "التكيف"، وكما هو معروف فللتكيف أنواع كثيرة؛ أهمها: التكيف النفسي وهو ما يتعلق بسلوك الفرد نتاج قدرته على الإدراك. وبحكمة من الله تعالى فإن الكائنات جميعها تمتلك القدرة على التكيف بمحيطها ومع المتغيرات في سبيل البقاء والاستمرار، إلا في حالات نادرة يصعب فيها التكيف، ومن تلك الكائنات الإنسان الذي وهبه الله  ﷻ  قدرة عجيبة على التكيف الجسدي والنفسي والعقلي.  ومن أهم الأمور التي تكيف معها الإنسان هي المتغيرات عامة ومنها المتغيرات الفكرية خاصة؛ حيث يخضع الإنسان للتكيف مع تلك المتغيرات بشكل تدريجي متأثرا بعوامل كثيرة، أهمها الإحساس فإما أن يكون التكيف إيجابيا من خلال الإحساس بما حوله أو أن يكون التكيف سلبيا وذلك بوقوعه في الاضطراب، كذلك التخطيط فإما أن يكون التكيف إيجابيا من خلال التخطيط الجيد ورسم التوقعات والاحتمالات وطرق التصرف فيها أو أن يكون التكيف سلبيا بسبب قصر العقل أو اللامبالاة، وأيضًا الرغبة والقناعة فإما أن يكون التكيف بشكل إيجابي من خلال الإرادة المتقدة المتجددة أو أن يكون التكيف سلبيا بسبب فتور الهمة ...

حديث المعركة المرتقبة!

يتكرر الحديث كل حين عن معركة ستقوم قريبًا، وبرغم عدم وجود إرهاصات يستنبطها المختصون، وكذلك برغم أن المعارك عادة ما تكون مباغتة ونادرًا ما يحصل لها إرهاصات، فأساس المعركة عنصر المفاجأة وهو ما تعتمده روسيا أو أي جيش عتيق يعرف أهمية عناصر ومبادئ الحرب، برغم كل ذلك تتجدد أحاديث معركة قادمة، وهو ما لا يمكن نفيه بالعموم لكن يحتاج دعامات منطقية. على كلٍ، فإن الحرب بالمجمل لم تنتهي وهذا بحد ذاته يعطي منطق باحتمالية بدء المعركة في أي وقت مناسب للعدو ويرى فيه الفرصة، فقد اعتدنا أخذ موقف المنتظر المدافع وهذا استنزاف لا يطيقه جيش فضلًا عن فصائل ثورية. المهم لفت الانتباه لمسألة مهمة، وهي التجارب والمخططات والنظريات التي تسعى روسيا لتطويرها وتطبيقها في كل فترة هدنة معلنة من جانب واحد، وهي كذلك تنتهي من جانب واحد، وضروي لفت الانتباه لهذه النقطة لأن لها أثر في النفوس ونتيجة تتأصل في القناعات. من تلك الأمور التي تسعى روسيا لتطويرها وتطبيقها وبحسب ما ورد من معهد دراسات الحرب الأمريكية سابقًا، هو كيفية عزل القوات عن بعضها وعزلها جميعًا عن مركز العمليات من خلال قطع الاتصال الكامل، وأضيف هنا: ربما لا يكو...

مروان حديد رجل في زمن القهر والاستبداد

في عام 1965م وقعت أول مواجهة مسلحة (صغيرة) بين شباب من أبناء السُنَّة بقيادة الشيخ المجاهد مروان حديد ونظام البعث النصيري في مسجد السلطان بمدينة حماة. (مروان حديد يُعتبر من أشهر وأوائل الذين أعلنوا الجهاد ضد حزب البعث وكشف نواياه وفهِمه حتى قبل أن يستفحل خطره ويتمكن، وهو الزعيم المؤسس والأب الروحي للطليعة المقاتلة التي أرقت وأوجعت نظام البعث على مدار سنوات، وهو الشخصية التاريخية الحاضرة في عقول كل الأحرار المتتابعين في الشام ورمز من رموز حماة الأبية هذه المدينة التي يعجز القلم أن يكتب عن كل بطولاتها ومدى عزيمة الرجال فيها). كان مروان حديد قد عاد من مِصر عام 1964م بعد أن أكمل دراسته هناك وحصول على البكالوريوس من كلية الهندسة، لكنه في الوقت ذاته كان قبل السفر لمصر يهدف ويتوق للقاء سيد قطب وتلاميذ حسن البنا، أما عن سبب لهفته للقائهم فهو بنفسه يرويه لنا، يقول: "لقد كنت اشتراكيًا بدافع البيئة التي أعيشها بين أشقائي وبدافعٍ من واقع الأمة المرير الذي يبحث عن طريق الخلاص من الاستبداد المُسلّط على الإنسان البسيط، وفي يوم من الأيام دخلتُ البيت وإذ بأخي الكبير أحمد يقول: قتل اليوم أخطر رجل ع...